عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
296
اللباب في علوم الكتاب
يوضع المصدر موضع الاسم ؛ كقولك : رجل عدل ، وحقيقة الدعاء : استدعاء العبد ربّه جلّ جلاله العناية ، واستمداده إيّاه المعونة . والإجابة في اللّغة : الطاعة وإعطاء ما سئل ، فالإجابة من اللّه العطاء ، ومن العبد الطاعة . وقال ابن الأنباريّ « أجيب » ههنا بمعنى « أسمع » ؛ لأنّ بين السماع والإجابة نوع ملازمة « 1 » . فصل في الجواب على من ادّعى أن لا فائدة في الدّعاء قال بعضهم : الدعاء لا فائدة فيه لوجوه « 2 » : أحدها : أنّ المطلوب بالدّعاء ، إن كان معلوم الوقوع عند اللّه تعالى ، كان وقوعه واجبا ؛ فلا حاجة إلى الدّعاء ، وإن كان معلوم الانتفاء واجب العدم ، فلا حاجة إلى الدّعاء . وثانيها : أنّ وقوع الحوادث في هذا العالم إن كان لا بدّ لها من مؤثّر قديم اقتضى وجودها اقتضاء قديما ، كانت واجبة الوقوع ، وكلّ ما لم يقتض المؤثّر القديم وجوده اقتضاء أزليّا ، كان ممتنع الوقوع ، وإذا كانت هذه المقدّمة ثابتة في الأزل ، لم يكن للدعاء ألبتّة أثر ، وربّما عبّروا عن هذا الكلام بأن قالوا : الأقدار سابقة ، والأقضية متقدّمة ، فالإلحاح في الدّعاء لا يزيد فيها وتركه لا ينقص منها شيئا ، فأيّ فائدة في الدعاء ، وقال عليه الصلاة والسلام : « أربع قد فرغ منها : الخلق والخلق والرّزق والأجل » « 3 » . وثالثها : أنّه سبحانه وتعالى قال : يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ [ غافر : 19 ] وإذا كان يعلم ما في الضمير ، فأيّ حاجة إلى الدّعاء . ورابعها : أنّ المطلوب بالدعاء ، إن كان من مصالح العبد ، فالجواد المطلق لا يهمله ، وإن لم يكن من مصالحه ، لم يجز طلبه . وخامسها : أنّه ثبت أنّ أجلّ مقامات الصّدّيقين وأعلاها الرّضا بقضاء اللّه تعالى والدعاء ينافي ذلك ؛ لأنه اشتغال بالالتماس ، وترجيح لمراد النّفس على مراد اللّه . وسادسها : أنّ الدعاء يشبه الأمر والنّهي ، وذلك من العبد في حقّ المولى الكريم سوء أدب .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 86 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 83 . ( 3 ) ذكره الهيثمي في « مجمع الزوائد » ( 7 / 198 ) وقال : رواه الطبراني وفيه عيسى بن المسيب وثقة الحاكم والدارقطني في السنن وضعفه جماعة وبقية رجاله في أحد الإسنادين ثقات .